ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

تقديم 8

الوشى المرقوم في حل المنظوم

والفجور وإسلام الجار . . . إلخ ، وهذه مجرّد أمثلة . . وإذا كان المعنى كما سبق القول - معطى اجتماعيا لا دخل للأديب في إبداعه ، فإنه يخرج - بالتالي - من نطاق عبقرية الأديب ، ومما به يمدح الأدب أو يذم ، ليتوجه بعد ذلك السؤال : فيم - إذا - يكون عمل الأديب وفيم تتجلى عبقريته وإبداعه ؟ والجواب - انطلاقا من الأصل الثاني - : في طريقة التعبير عن المعنى الذي يقصد الأديب إلى التعبير عنه . . ففي طريقة التعبير هذه ، أو في طريقة الصياغة ، أو الكسوة اللفظية يكون عمل الأديب ، ومحور إبداعه وتفرّده . هذا الأصلان قرّرهما الجاحظ في تصريحه الشهير حين قال عن المعاني : إنها « مطروحة في الطريق ، يعرفها العجمىّ والعربي والبدوىّ والقروىّ » ثم حين قال عن الصياغة : « إنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء . . . وجودة السبك ، فإنما الشعر صناعة [ في إحدى الروايات : صياغة ] وضرب من النسج وجنس من التصوير » [ الحيوان : 3 / 131 ، 132 ] ودون أدنى قدر من المجازفة في الحكم . . لم يختلف أحد من النقاد العرب مع الجاحظ في هذين الأصلين ، أعنى : عموم المعاني وسهولة إيجادها وشيوع ملكيتها ، ( والمقصود بالطبع ما سميناه بالمعاني الاجتماعية ) واعتبار الصياغة اللفظية الفنيّة هي محور المزيّة ومناط أدبية الأدب وشعرية الشعر . وإذا كانت المعاني ( الاجتماعية ) عند الجاحظ معروفة للعجمى والعربي والبدوي والقروىّ ، فقد زاد أبو هلال ت 395 ه إلى هؤلاء : السوقي والنبطىّ والزنجىّ [ الصناعتين 202 ] ومن قبل قرر السيرافى أن المعاني « لا تكون يونانية ولا هندية كما لا تكون فارسية ولا عربية ولا تركية » [ الإرشاد لياقوت 8 / 205 ] . وهذا يعنى - بعبارة الآمدي ت 371 ه - أنها موجودة « في كلّ أمة وفي كلّ لغة » [ الموازنة 1 / 423 ] أو هي - بعبارة ابن رشيق ت 456 ه - « موجودة في طباع الناس . . . جارية في عاداتهم ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم » [ العمدة 1 / 127 ، 2 / 281 ] أو هي « موجودة عند كل واحد ، وفي طوع كلّ فكر منها ما يشاء ويرضى »